يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
472
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
يكسب المال ، كما قال الشاعر : يجود بالنفس إذ ضنّ الجواد بها * والجود بالنفس أقصى غاية الجود قال بعض العلماء : هذا أمدح بيت قالته الشعراء . وكذلك الصحابة رضي اللّه عنهم من عدم منهم المال الذي هو في الحقيقة كالآل ، جاد بالنفس في الجهاد الذي هو أفضل الأعمال ، ولي فيهم رضي اللّه عن جميعهم : أولئك قوم أتلفوا مهجاتهم * لإحياء دين اللّه بالطعن والضرب بكل طويل من رماح ردينة * وكل حسام مرهف ذكر عضب على كل مخماص من انسال أعوج * يمرّ كمرّ الريح في أثر السحب غيوث إذا أعطوا ليوث إذا التقوا * معانون منصورون بالرهب والرعب من شعر لي طويل وهو في حقهم قليل ، إن أردته انظره في التكميل . ذكر أجواد الزهاد : ومن أجواد الزهاد من إذا أعطى آثر غيره حدبا على فقره وغيره ، مثل عائشة رضي اللّه عنها ، وجه إليها معاوية رضي اللّه عنه مائة ألف درهم ، ففرّقتها في يومها ، وإن درعها لمرقوع ، وقالت لها الخادم وكانت صائمة : لو اشتريت لنا لحما بدرهم ، فقالت : لو ذكرتيني فعلت . فعلت هذا رضي اللّه عنها طاعة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذ أوصاها فقال : إن أردت اللحوق بي فعليك بعيش الفقراء ، وإياك ومخالطة الأغنياء ، ولا تنزعي ثوبا حتى ترقعيه . وتمادت على فعلها إلى أن ماتت رضي اللّه عنها . خرّج البخاري عن أيمن الحبشي قال : دخلت على عائشة وعليها درع قطن ثمنه خمسة دراهم ، فقالت : ارفع بصرك إلى جاريتي انظر إليها فإنها تزدهي أن تلبسه في البيت ، وقد كان لي منه درع على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فما كانت امرأة تفنّ بالمدينة إلا أرسلت إليّ تستعيره . وقد فعل مثل فعل عائشة رضي اللّه عنها إبراهيم التيمي ، دفع إليه ستون ألفا وكان عليه دين وبه حاجات ، فأخرجها من يومه ، فعوتب في ذلك فقال : كرهت أن أمحو اسمي من ديوان الفقراء بستين ألفا . ويروى عن سعيد بن عامر بن حذيم لما بعثه عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه واليا على حمص اشتدّت فاقته حتى تحدّث الناس بفقره ، فبلغ ذلك عمر فأرسل إليه بأربعمائة دينار ، وكتب إليه يعزم عليه لينفقها على نفسه وأهله ، فلما قرأ الكتاب اهتم هما شديدا حتى تبين ذلك عليه ، فقالت امرأته : نفسي فداك ما لي أراك مهتما ؟ أبلغك موت أمير المؤمنين ؟ قال : أعظم من ذلك ، فقالت : أبلغك عن ثغور المسلمين شيء ؟